محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

181

الإنجاد في أبواب الجهاد

على إرادتها وتَمنِّيها ؟ ! فقيل : يحتمل أن يكون النهي عن ذلك لما يتقى وقوعه مع حالة التمني من إضاعة الحزم ، وترك الإعداد للعدو ، إذ يكون مع التمنِّي استسهالٌ للأمر ، وتهاونٌ بالعدو ، وتركٌ للحذر ، وفي ذلك ضررٌ كبير ، هذا معنى ما ذكره المازري في « المُعْلِم » ( 1 ) ، ولا يبعد عندي أن يقال : إنما نُهي عن ذلك ؛ لأن لقاءَ العدو شِدَّة ومكروه ينزل به ، وهو محلُّ ابتلاءٍ من الله - تعالى - وامتحانٌ للعبد ، قال - تعالى - : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } [ محمد : 31 ] ، وإذا كان كذلك ، لم يؤمن أن يكون ثمَّ تَقْصيرٌ أو خذلانٌ ببعض ذنوبه ، وعجزٌ عن القيام بواجب حقوقه ، فقد يَفِرُّ ولاَ يصبر ، وفي ذلك شقاؤه ، كما قال - تعالى - : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا } [ آل عمران : 155 ] . ثم هذا ليس من تمني الطاعات في شيء ، إنما هو تمني المكاره ، ليكون منه عليها صَبرٌ بزعمه ، وذلك ما لا ينبغي أن يفعله أحد ، هذا مع ما في تمنِّي ذلك من الاغترار ، ومُشَاكَهةِ ( 2 ) أحوال البغي ، وذلك مكروهٌ - أيضاً - ( 3 ) . رُوِي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال لابنه : يا بُنَيَّ ، لا تَدعونَّ أحداً إلى المبارزة ، ومن دعاك إليها فأخرج إليه ؛ لأنه باغٍ ، والله - تعالى - قد تضمَّن نصرَ من بُغي عليه ( 4 ) .

--> ( 1 ) « المُعلم بفوائد مسلم » لأبي عبد الله المازري ( 3 / 11 رقم 797 ) . ( 2 ) شاكَهَهُ مشاكهةً وشكاهاً : شابَهَهُ ، وشاكَلَهُ ، وقارَبَه . وتشاكها : تشابها . انظر : « القاموس المحيط » ( ص 1124 - ط . دار الفكر ) . ( 3 ) قال الإمام النووي في « شرح صحيح مسلم » ( 12 / 68 - ط . مؤسسة قرطبة ) ما نصُّه : « إنما نَهَى عن تمني لقاء العدو ، لما فيه من صورة الإعجاب ، والاتكال على النفس ، والوثوق بالقوة ، وهو نوع بغي ، وقد ضمن الله لمن بُغي عليه أن ينصره ، ولأنه يتضمن قلّة الاهتمام بالعدو واحتقاره ، وهنا يخالف الاحتياط والحزم » ا . ه - . ( 4 ) ذكره ابن قتيبة في « عيون الأخبار » ( 1 / 210 ) معلقاً عن العتبي عن أبيه قال : قال علي . . . وذكره . وهذا إسناد تالف . =